فخر الدين الرازي

459

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والجواب : أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنهم يشمئزون من سماع التوحيد ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء ، ثم ذكر بفاء التعقيب أنهم إذا وقعوا في الضر والبلاء والتجأوا إلى اللّه تعالى وحده ، كان الفعل الأول مناقضا للفعل الثاني ، فذكر فاء التعقيب ليدل على أنهم واقعون في المناقضة الصريحة في الحال ، وأنه ليس بين الأول والثاني فاصل مع أن كل واحد منهما مناقض للثاني ، فهذا هو الفائدة في ذكر فاء التعقيب هاهنا . فأما الآية الأولى فليس المقصود منها بيان وقوعهم في التناقض في الحال ، فلا جرم ذكر اللّه بحرف الواو لا بحرف الفاء . السؤال الثاني : ما معنى التخويل ؟ الجواب : التخويل هو التفضل ، يعني نحن نتفضل عليه وهو يظن أنه إنما وجده بالاستحقاق . السؤال الثالث : ما المراد من قوله : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ ؟ الجواب : يحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علم اللّه بكوني مستحقا لذلك ، ويحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علمي بكوني مستحقا له ، ويحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علم لأجل ذلك العلم قدرت على اكتسابه مثل أن يكون مريضا فيعالج نفسه ، فيقول إنما وجدت الصحة لعلمي بكيفية العلاج ، وإنما وجدت المال لعلمي بكيفية الكسب . السؤال الرابع : النعمة مؤنثة ، والضمير في قوله : أُوتِيتُهُ عائد على النعمة ، فضمير التذكير كيف عاد إلى المؤنث ، بل قال بعده : بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ فجعل الضمير مؤنثا فما السبب فيه ؟ والجواب : أن التقدير حتى إذا خولناه شيئا من النعمة ، فلفظ النعمة مؤنث ومعناه مذكر ، فلا جرم جاز الأمران . ثم قال تعالى : قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ الضمير في قالَهَا راجع إلى قوله إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ « 1 » لأنها كلمة أو جملة من المقول . و الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هم قارون وقومه حيث قال إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [ القصص : 78 ] وقومه راضون به فكأنهم قالوها ويجوز أيضا أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها . ثم قال تعالى : فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ أي ما أغنى عنهم ذلك الاعتقاد الباطل والقول الفاسد الذي اكتسبوه من عذاب اللّه شيئا بل أصابهم سيئات ما كسبوا ، ولما بين في أولئك المتقدمين فإنهم أصابهم سيئات ما كسبوا أي عذاب عقائدهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة قال : وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي لا يعجزونني في الدنيا والآخرة . ثم قال تعالى : أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ يعني : أو لم يعلموا أن اللّه تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء تارة ، ويقبض تارة أخرى ، وقوله : وَيَقْدِرُ أي ويقتر ويضيق ، والدليل عليه أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه ، ولا بد من سبب ، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله ، لأنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق ، ونرى الجاهل المريض الضعيف في أعظم السعة ، وليس ذلك أيضا لأجل الطبائع والأنجم والأفلاك لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك الكبير والسلطان القاهر ، قد ولد فيه أيضا عالم من الناس وعالم من الحيوانات غير الإنسان ، ويولد أيضا في تلك الساعة عالم من النبات ، فلما شاهدنا

--> ( 1 ) في تفسير الرازي المطبوع زيادة ( عندي ) وأحسبه خطأ لمطابقتها للآية 78 من سورة القصص وهو خلاف ما يقصده الرازي ولعلها سبق قلم منه .